محمد حسين علي الصغير
235
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
المفسرين ، إذ لا يوصف الباري برقة القلب وسواه من الجوارح ، فهو رقيق بلا جارحة ، ورقته فيض إحسانه الذي لا ينضب ، وهو رحيم دون ظرفية لهذه الرحمة ، ويضاف ذلك كله بأصنافه الكبرى إلى تربية هذه الكائنات العملاقة لتشكل كلا متماسكا بانبثاق عفوي ، وعمق إرادي فطري هو الربوبية فحسب ، وهي المعنى البديهي والدليل الاستقراري ، والحكم العقلي المجرد بوقت واحد للقول بتطاول وتعالى الذات المقدسة ، لاحاطتها بكل شيء ، وعدم إحاطة شيء بها ، فلها الخشوع والتوجه ، وبها الكمال وحده ، قال تعالى وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( 111 ) « 1 » . ولك أن تتصور وجودا لا أول له ، وكيانا متراميا لا آخر له ، هو حقيقة ثابتة ولكنها فوق حقائق الأشياء ، انفردت بالخير والمنح والعطاء ، ولا يدرك شأو ذلك ، وأكثر من هذا أن الاشراق بالرحمة ، والاتسام بالرأفة ، يتضاعف فيشمل أهل الكبرياء والجبروت والطغيان كما يشمل أهل الرضا والتواضع والاخبات ، فهو متواتر متوافر منهمر يتفيأ ظلاله القريب والبعيد ، وينعم ببهجته المؤمن والجاحد ، فهو يتقلب إيغالا في المضاعفة صفوا خالصا للبشرية جمعاء ، إلا أن صفوه الحقيقي الخالص إنما يكون لأهل الرضا الخالص من الصفوة المختارة . 3 - وكما امتلك الباري هذه الحياة باستيعاب شمولي ، فقد امتلك السلطة من أطرافها كافة يوم الدين ، فهو وحده مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) وهو اليوم الآخر ، يوم الجزاء والحساب ، وهنا تتجلى الكبرياء والآلاء ، وتكمن العظمة والجبروت ، فكما تصرف سبحانه في الخلق الأول تصرف المبدع الحكيم ، فهو المتصرف في اليوم الآخر تصرف المالك المقتدر الجبار ، والمرء بين يومين لا ثالث لهما : يوم العمل ويوم الجزاء ، العمل في الحياة الدنيا ، والجزاء في الحياة الأخرى ، وعليه يحمل قول أمير المؤمنين عليه السّلام : « اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل » « 2 » . ولا يراد بهذا اليوم العدّ الزمني ما بين المغرب والمشرق لدى طلوع الشمس
--> ( 1 ) سورة طه : 111 . ( 2 ) ظ : ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة : للإمام علي عليه السّلام .